لغتنا العربية… فلنحافظ عليها ولنتمسك بها


كل بقعة في العالم تنبثق منها أسطورة تفكير معينة مرتبطة بالبيئة والعوامل المؤثرة المحيطة بها، الحضارة التي بنيت عليها من الأجداد، وغيرها من المقومات الأساسية……..

 هناك  مثال حي عن دولة من الدول العظمى في العالم في الوقت الحاضر وهي اليابان حيث كانت من الدول التي حافظت على اللغة الأم اليابانية واتضح ذلك  بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 ميلادي لأن اللغة عراقة وسبب في تطوير بلدهم عبر السنين التي ربما لم يدركها الكثيرون في البداية،  وبدأت الأسطورة تفكر وتتطور بكيان أسطورتها المعتمدة على اللغة,  وكان هناك استغراب حاد من الأمريكيين  في ذلك الحين عندما احتفظ اليابانيون بلغتهم  ، ولكن مع مرور السنين  كان هناك تفسير منطقي لديهم , حيث أن اللغة هي من الأسباب الرئيسية لنهضة وتقدم اليابان بعد كارثة الحرب العالمية الثانية التي حلت بهم .

اليابان هي من أكبر القوى الاقتصادية والصناعية بالعالم , بل وهي من  الدول الأولى في العالم في مجال العلوم التكنولوجية والصناعية  الذي هو أساس بناء اقتصاد الدولة من خلال الابتكارات التكنولوجية الموجودة لديها في العالم والتي أصبحت منذ عقود المصدر الأكبر للصناعات الثقيلة للعالم بأسره , وأصبحت صناعتها في  مجال التكنولوجيا والهندسة  متفوقة جداً,  وحتى العالم الغربي بدا عليه الاندهاش مما وصلت اليه اليابان من  التقدم الصناعي والتكنولوجي , وكما ورد في مقالات سابقة عن أسباب نهضة اليابان  التي ترتبط ارتباط كلي  بالالتزام  بمعايير الأخلاق العليا المتفق عليها كالنظام ,احترام الانسان  وانسانيته, التعاون , الاحتفاظ بلغة , وأيضاً إيجابيات كثيرة  التي أوصلتهم إلى هذا الحد من التقدم والتكنولوجيا.   

لكن هناك سؤال يطرح نفسه وهو كيف أصبحت اليابان من أرقى الدول بجميع مناحي الحياة وأكثرهم انتاجاً؟

الإجابة باختصار أنها التزمت بعدة نواحي ومن أهمها أن اليابان حافظت على اللغة التي كانت من أهم أسباب بناء الرقي والتقدم التي وصلت لها اليوم وهي الحفاظ على اللغة وارتباطها بتقدم اليابان، و أريد توضيح بعض الخصائص والصفات للغة اليابانية لاحقاً، ولكن قبل التوضيح أريد أن طرح قصة صغيرة أو حدث في اليابان كما ذكرت بعض المواقع الإلكترونية وهي:

 

“بعد هزيمة اليابان  أدرك الأمريكيون أنهم ارتكبوا خطاً فادحاً في إعطاء اليابان اللغة بعد الهزيمة , عندما هُزِمت اليابان في الحرب العالمية الثانية كان على إمبراطور اليابان أن يوقَّع معاهدة الاستسلام للأمريكان , وبالفعل ذهب الى القائد الامريكي في اليابان وأعلمه أنهُ موافق على كل الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة للاستسلام ، ولكنه طلب من القائد الأمريكي طلباً واحداً، الإبقاء على اللغة اليابانية في اليابان , وكان هناك تعجب من القائد الأمريكي الذي تساءل   آنذاك ما قيمة اللغة اليابانية وهي خطوط (خرابيش) غير مفهومة أمام كل التنازلات التي قدمها الامبراطور الياباني فوافق على الشرط قبل أن يدرك ان الحفاظ على الهوية واللغة اليابانية سوف يقلب المعايير وسوف تصبح اليابان من القوى الصناعية العالمية , الى أنهم أدركوا ذلك  بعد فترة أن الاحتفاظ باللغة سبب تقدم اليابان ، بالحفاظ على هويتها ولغتها، وإخلاصها وتفانيها في عملها استطاعت اليابان ان تعود الى القمة خلال تقريباً ثلاثون عام .

والان أود توضيح بعض أساسيات، خصائص وسمات اللغة اليابانية الموضحة بالأسفل وهي:

كما ذكر في أحد المواقع الإلكترونية هو أن اللغة اليابانية في أصلها لغة كانت لغة منطوقة ليس لها حروف تكتب بها، ولذلك اضطر اليابانيون في قديم الزمن إلى الكتابة فاستعاروا طريقة الكتابة من اللغة الصينية التي ليس لها أي علاقة باللغة اليابانية من حيث الأصل أو الانتماء.

الكتابة الصينية هي كتابة بدائية بطريقة الرموز التصويرية تسمى “الكانجي”.

  أخذت اليابان طريقة الكتابة تلك من الصين في القرنين الخامس والسادس ميلادياً ولا زالت هي المستخدمة إلى اليوم، ولكن اليابان طورت من هذه الرموز لحروف هجائية مبسطة لتعبر عن الصوتيات في اللغة اليابانية لتستخدم في الربط بين الكلمات والجمل.

 

ونظراً أن اللغة الصينية تعتمد على رموز الكانجي، كانت هناك صعوبة باللغة في تعليم لغة مثل هذه اللغة لأن رموز الكانجي هي بلا عدد، ويقال أن رموز الكانجي في اللغة الصينية يصل إلى عشرات الآلاف، بل ويصل بها البعض إلى مئات الآلاف. ولذلك اضطرت اليابان إلى إصدار قانون يحد من الرموز الصينية التي تستخدم في وسائل الإعلام من صحافة ومجلات وفي مجال التعليم الإجباري، ويتغير عدد تلك الرموز كل فترة بالحذف والزيادة، والقانون الآن ينص على 1945 رمز (ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين رمز). ولهذا أثناء الاحتلال الأمريكي لليابان بعد الحرب العالمية الثانية حاولت أمريكا استبدال الحروف اليابانية بالحروف اللاتينية نظراً لصعوبة الحروف واللغة اليابانية، ولكن اليابانيون رفضوا ذلك لمعرفتهم أن المحافظ على اللغة هو التقدم والحضارة.

لماذا حافظت اليابان على اللغة؟ وكيف ساعدت اللغة في سبب تقدمها؟

الجواب يكمن في مثال قرأته في أحد المقالات على أحد المواقع الإلكترونية وهو هناك كلمة تنطق هكذا “كوشو”، هذه الكلمة لها   22 طريقة كتابة بالكانجي و يختلف المعنى باختلاف الكتابة، على سبيل المثال تعني مفاوضات وتعني وزير الصحة وتعني التبليغ الشفهي وتعني القائد المنهزم .. إلخ، ولكن النطق سيصبح بالحروف اللاتينية واحد هو “KOUSHOU“.

وأيضاً إنشاء اليابانيين للغة لم يكن سهلاً على الإطلاق، الجواب هنا أنه لو استبدلت اليابان اللغة بالحروف اللاتينية لكن عليهم أن يبدأ بتعلم لغة جديدة منذ البداية، ونحن نعلم أن اليابان بعد الحرب العالمية الثانية في وضع لا يحسدون عليه بسبب الدمار والكارثة التي أحلت بهم وهم تأخروا كثيراً عن العالم المتقدم بسبب الدمار، وأيضاً عدم وجود موارد كافية للبدء بها وانشاء وتعمير بلادهم ومن هنا يصبح هزيمة وخسارة وأيضاً ضياع اللغة وتعلم لغة جديدة منذ البداية هي خسارة أخرى.

لذلك لو تغيرت اللغة اليابانية إلى اللاتينية لألغت معاني كثيرة , ومن هنا  لم  يتركوا اللغة وبدوا من التراث والحضارة المبنية فأصبحوا من أكثر الشعوب تقدماً في العالم ورقياً، اتحدوا على شيء واحد يربطهم ولا زالوا متحدون لليوم على التقدم والنجاح , دائماً ابدأ بالتطوير واحترم آراء الآخرين ,ابدأ من حيث انتهى الآخرون, وقيم جهود الآخرين لأنك بتقييمك الصحيح تستطيع الإنتاج وبناء المنظور الصحيح للتقدم  , لانهم من المؤكد أنهم بذلوا الجهود  للوصول الى هذا الحد, كل اسم أو عنوان ينبع من جهد وتعب وحضارة وثقافة ,فأنت لا تحافظ على منطوقة أو مسموعة أو محفوظة للتعامل , بل تحافظ على تعب الآخرين الذى كان بناء متواصل لك او بنية لك , وتمثل مراحل معينة في حياتنا عاطفتنا ترتبط بها , في كل كلمة هناك صورة معينة واحساس معينة تاريخ معين يرتبط بها , يجب أن تكون لغتنا هي إحياء للواقع الذي نحبه .

 

في النهاية هي ليست دعوة لترك تعلم اللغات الأخرى المساعدة لنا في التعليم كشيء أساسي وفي جزء كبير من نواحي الحياة بل التمسك بالغة الام لأنها تساعدنا على الابداع في اللغات الأخرى وفي جميع المجالات ولان الابداع ليس تعلم لغة بل هو الاهتمام، التفكير، التأمل، والعمل الجاد الذي يبني المخزون الفكري الذي يصل الى العالم، ويجب عليك تعلم أي لغة تزودك بمعلومات بحيث تتوافق مع احتياجات الحياة.

 أعتقد أن الابداع الياباني والتميز في أغلب المجالات وخاصة المجالات التكنولوجية والصناعية اعتمد اعتماد تام على البناء السليم الممثلة في طريقة التفكير والتعاملات السوية التي تعتمد على الأم وكانت الام هي اللغة المولدة للمادة الخام للإبداع التي تواجدت فيها حضارة وعراقة الماضي، لان وجود الام هو المأوى الأكبر المعنوي والمادي الذي يبني المأوي الأخرى.

 مثال حي أخر الثوب الفلسطيني الذي ينتشر بالعالم لم ينتشر الا لأنه يمثل حضارة تتمثل في عادات وتقاليد ونمط حياة وإنتاج فلسطيني في أي بلدة، قرية، مدينة ,أو أي بقعة بأكملها فالتطريز على كل ثوب يمثل أساسيات الحياة وعاداتها وتقاليدها للبقعة الخاصة بها لذلك هم حافظوا عليه فحافظ العالم عليه ، ايضاً عندما تبدأ في تصنيع شيء معين خاص ببلدك تصنعه بحيث يكون مناسب مع المطلوب , وبعد ذلك من الممكن أن تنقله الى أي منطقة بالعالم مثل أشياء كثيرة نقلت من بلد الى بلد كان أساس تصنيعها خاص بلبد المصنعة ، ومن هنا انت تنقل الابداع بلغتك الخاصة الى العالم.

من هنا يجب أن تكون اليابان من أهم أساطير التفكير الخاصة بنا لان لغتنا لها تاريخ وعراقة, ولغتنا منطوقة ومكتوبة لها حروف تكتب بها، فتحتاج منا الحفاظ عليها، لأننا في أي مكان بالعالم يجب أن نثق أن اللغة الام هي التي تبني الحضارات وهي تقييم لجهود الأجداد وتعبهم الذي نرثه منهم، وأكبر دليل أن اليابان هي الان مصدر تقدم تكنولوجي ضخم في العالم لان  تمسكها بلغتها كان سبب من أسباب النهوض  , فقط اقرأ على الأقل دقائق معدودة  كل يوم من لغتك , بقراتك كل يوم عدة أسطر تحيي اللغة  وحاول أن تكتب وتحاكي الواقع بمعلومة أنت تعلمتها بصورة صحيحة وتريد أن تنشرها لان لغتك تستحق وتوفر لك الخامة للإبداع  , لغتنا منطوقة ومكتوبة فهل نتأثر باليابان ونحافظ على لغتنا ونتمسك بها؟؟؟؟

 


بقلم: باسل سمير الهرباوي.

 


هل اعجبك؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2.7k
1436
2.7k shares, 1436 points

تعليقات 0

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دخول

قم بالدخول الى حسابك

ليس لديك حساب؟
تسجيل

إعادة تعيين كلمة المرور

نسيت كلمة المرور؟ قم بإعادتها مجدداً

ارجع إلى
دخول

تسجيل

ليس لديك حساب! قم بإنشاء حسابك الآن

ارجع إلى
دخول
Choose A Format
مقالة
نص منسق مع صور أو تضمين
قائمة مفتوحة
قائمة مفتوحة